بيان مليونية تصحيح المسار

٩ / ٩ / ٢٠١١

مقدمة

فى ظروف بالغة التعقيد وفى ظل مخاطر تهدد المجتمع من كل جانب، وفى مرحلة حرجة من تاريخ مصر تنادت جماعات وطنية وعدد من إئتلافات الثورة إلى مليونية ‪"تصحيح المسار‪" يوم الجمعة ٩/ ٩/ ٢٠١١، والمجلس الوطنى إذ يعلن مشاركته يؤكد تأييده ودعمه لهذه المليونية، ويرى أن هذا التنادى أتى مؤكدا على استمرار السير على طريق الثورة حتى النهاية؛ وفاءا لدماء الشهداء الطاهرة واستجابة لتضحيات المصابين والذين لم يبرحوا أماكنهم على مدى الأيام الثمانية عشر المجيدة التى تجلت فيها الثورة نبلا وشرفا وكرامة؛ فخُلع الطاغوت، وانتهى حكمه، وأسقطت بطانته. وبذلك أعيدت مصر إلى أبنائها وشعبها الصابر الصامد، وتحول المصريون من تروس فى طواحين الفساد والاستبداد والتبعية إلى ذوات كريمة مرفوعة الرأس والهامة.

والمجلس الوطنى يعلن بوضوح لا لبس فيه أن استمرار المليونيات يمثل حلا للمواجهات الواقع التى تعيشة الثورة؛ بما فية من ملابسات وغموض وتسوبف وبطء وتقليل من قيمة ما قام به الشعب وصنع معجزته الكبرى فى الخامس والعشرين من يناير الماضى. ولولا المليونيات ما سقط حسنى مبارك، وما انتهى الثوريث، ولتمكنت الثورة المضادة وفلول الحكم البائد وأجهزته الفاسدة من استعادة زمام المبادرة مرة أخرى، بما يقدم لها من إمكانيات وتمويل ضخم من مصادر داخلية وخارجية، وبما يمثلون من رصيد استراتيجى تعتمد عليه خطة مبارك فى وضع مصر بين خيارين لا ثالث لهما "إما أنا (مبارك) أو الفوضى".

والمجلس الوطنى مع هذه المليونيات حتى تتم تلبية كل مطالب الثورة وتحقق ما قامت من أجله، وترجمته إلى برامج عمل وخطط تنفيذية مجدولة مرحليا وزمنيا. ويجدها فرصة للتذكير بما نجحت فيه المليونيات، وحررت المواطن ورفعت رأسه عاليا، واستردت له كرامته وأزاحت ما استطاعت من الفاسدين والمفسدين فى مواقع المسئولية والإدارة والأمن، وإن كانت غالبيتهم ما زالت فى مناصبها ومواقعها نهارا، وتعمل من أوكارها مثل الخفافيش ليلا؛ تبث الفتنة وتنشر الفرقة وتعيد إنتاج حكم عائلة مبارك بوجوه أخرى منها من إرتدى رداء الثورة. تصورا منه أن هذا الرداء يخفى حقيقته ويستر سوءاته وعوراته وانحرافاته.

ولا زالت المليونيات مطلبا ثوريا وشعبيا وإنسانيا؛ تواجه بها الثورة حربا نفسية ضارية معلنة ضد الشعب؛ عقابا على قيام الشعب بذلك العمل الإعجازى العظيم. وتهدف الى تركيع المصريين مرة أخرى؛ فيعودوا مرغمين إلى حظيرة الطغيان والهوان، إنها حرب المفسدين والفلول والزبانية والمليشيات المنظمة، وكتائب البلطجية وقطاع الطرق واللصوص والمجرمين والخارجين على القانون، وهذه المليونيات من أهم الوسائل الناجعة للتصدى لهؤلاء وكشفهم أمام المواطنين، وهى كذلك من أهم طرق الفرز بين أوفياء للوطن وأولياء الطاغوت، وهو فرز يساعد فى العزل الشعبى أمام عجز المسئولين عن اتخاذ إجراءات العزل السياسى التى عادة ما تعقب الثورات.

التحديات

وبعد انتهاء سبعة أشهر على خلع مبارك فما زالت مصر تواجه تحديات ضخمة وغير مسبوقة يمكن تلخيصها فى التالى:

-   انفلات أمنى يغطى البلاد من أقصاها إلى أدناها، ومن أعلاها إلى سافلها، وازداد تفاقما مع غياب إجراءات رادعة وحاسمة فى مواجهته، وتراخى المسئولين فى إعادة تأهيل الشرطة وهيكلتها على أسس جديدة ومعاصرة وإنسانية؛ تخلصها من الاستعلاء والغطرسة والتعذيب الممنهج الذى هيمن على عقول وتصرفات من التحق بتلك المنظومة؛ خاصة جهاز مباحث أمن الدولة، الذى تخصص فى ترويع المواطنين والتمثيل بهم وكسر إرادتهم وامتهان كرامتهم.

-   ‫إنتشار السلاح بأنواعه وأحجامه ودرجاته، ويعود ذلك إلى نشاط مكثف تقوم به عصابات التهريب فى مناطق الحدود، وينتج عن عمليات سطو استهدفت مراكز وأقسام الشرطة ومخازنها وترساناتها، وهذه جرائم مارستها عصابات موجهة من ضباط وأمناء شرطة فارين وهاربين، ومنهم من تولى تهريب مجرمين ومتهمين في السجون وأماكن الحجز والتحفظ التابعة لوزارة الداخلية، وهذا السلاح وصل إلى أيدى البلطجية وأرباب السوابق والخارجين على القانون "وأحباب مبارك وأولاده" ويستخدم بإفراط في ترويع الآمنين وإقلاق راحتهم.

-   ‫استمرار تقديم المدنيين إلى القضاء العسكرى، وأغلبهم من شباب الثورة ومؤيديها وأنصارها، الذين مارسوا حقهم الطبيعى والقانونى والإنسانى فى النقد والتعبير وإبداء الرأى بوسائل سلمية، وحتى لو أن هناك من تجاوز فلا يجب أن يمثلوا أمام القضاء العسكرى، وفى الحد الأدنى تتم مساواتهم بالخارجين على القانون وفلول وزبانية الحكم البائد، وكثير منهم يسرح ويمرح فى طول البلاد وعرضها، ومن تم حبسه منهم بتهمة إفساد الحياة السياسية ونهب البلاد وأذلال وتعذيب العباد والانحياز للأعداء ونصرتهم؛ كل هؤلاء ينعمون بمحاكمات عادية، ويخضعون لقانون مدنى من وضع مبارك حمى به نفسه وعائلته وعصابته من غضب الشعب.

-   ‫التلكؤ فى تطهير أجهزة الدولة والأمن والحكم المحلى؛ بما فيها من عفن وفساد، أعانت الشيطان وساندت الطغيان، فعم الظلم وساد التجبر وانتشر الفساد، وبه أُقترفت كل الجرائم فى حق الوطن والمواطنين، وما زال هؤلاء يلعبون دورهم فى شيطنة الثورة، وإضفاء الطهارة على دنس وقذارة العهد البائد، وهذه الأجهزة ما زالت تعمل على القواعد القديمة تتحدى بها الثورة، وتهئ للثورة المضادة كل الظروف والإمكانيات على أمل إجهاض الثورة والقضاء عليها.

-   ‫إهمال العدالة الاجتماعية، حتى غابت عن برامج وخطط حكومة تسيير الأعمال، فوقفت عاجزة أمام انفلات الأسعار وارتفاع تكاليف المعيشة، فاتسعت دائرة الفقر عما كانت عليه فى العام الماضى، وما زالت الحكومة تخضع لضغوط حيتان اتحاد الصناعات، الذين يتصدون لأى محاولة لتعديل هياكل الأجور والمرتبات، وما زالوا رافضين لمقترحات ومشروعات تستهدف إحداث توازن بين الفقر والغنى، ونظام ضرائب أكثر عدلا واعتدالا، وما زال الخلل الاجتماعى على حاله قبل ٢٥ يناير. ولا تبدو أن هناك بادرة لمواجهة مشكلة البطالة المستفحلة، أو إعادة حقوق سلبت من العمال والفلاحين ومحدودى الدخل.

-   استمرار النظرة السوقية والتجارية للخدمات. وبعد أن كان التعليم حقا والعلاج حقا والسكن حقا والعمل حقا؛ تحول كل ذلك إلى سلع.. تخضع لقانون السوق العشوائي المتوحش الذى لا يرحم. فمن يملك يتعلم وينعم بالصحة والسكن والعمل، وعلى الفقير والمعدم أن يقنع بجهله ويرضى به، ويستسلم لعلته ولا يداويها، ويعيش بين القبور أو فى العشوائيات ولا يتطلع إلى سكن آدمى أفضل، ومن لا يجد عملا يتجه إلى التسول أو إلى الجريمة المنظمة أو العشوائية أو البلطجة، وحتى لو انتهى به الأمر إلى السجن ففيه يجد لقمة تسد رمقه ومكانا يرتاح فيه عند  حلول الليل. وهذه النظرة مع غياب العدالة الاجتماعية تهدد مصر بانفجار جديد وجولة جديدة من الثورة. من المتوقع أن تكون أكثر عنفا وفوضى، وتهدد مصر بفلتان اجتماعى وسياسى واقتصادى يضاف إلى الفلتان الأمنى الراهن.

-   تهاون واضح فى معالجة القضية الوطنية، حين قوبل عدوان الدولة الصهيونية على الحدود الشرقية مع فلسطين بارتباك وتضارب غير متوقع؛ فتراجعت الحكومة عن قرارها بطرد سفير تل أبيب من القاهرة، وكانت الرسالة واضحة من أولى الأمر، وهى أن السياسة الخارجية والعربية لمصر تسير على نفس المنوال السابق، التزاما بمعاهدة إذعان موقعة فى كامب ديفيد لم تلزم بها الدولة الصهيونية بتاتا، وحقق العدو بها ما عجز عن تحقيقه بالحرب، وحالة الإذعان كانت أكثر وضوحا فى صفقات بيع الغاز بسعر متدن أقل من تكلفه استخراجه، وفى اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة المعروفة باسم "الكويز"؛ ليدخل المنتج الصهيونى فى صناعة المنتجات المصرية؛ كشرط من شروط السوق الأمريكى فى تعامله مع الصادرات المصرية لسوق الولايات المتحدة! وبدلا من التحرر من اتفاقيات الإذعان هذه أو تجميدها؛ ما زال الالتزام بها هو قائما. وبدت القضية الوطنية وأمن حدودنا مع العدو وثروات مصر الطبيعية دون الاهتمام اللازم من جانب المسئولين المؤتمنين على الثورة وعلى إدارة شئون المرحلة الانتقالية وعلى مستقبل الأجيال القادمة!!

-   ‫حالة حيرة وتيه تواجه البلاد، وتقصير واضح فى تهيئة المواطن لانتخابات نزيهة ومعبرة عن الثورة، فميزان القوى السياسى والاجتماعى بقى فى صالح المجرمين واللصوص ومن أفسدوا الحياة السياسية والفلول، ولم تشهد البلاد إجراءآ واحدا يستقيم بهذا الميزان لصالح الشعب وثورته بجماهيرها العريضة وأهدافها الطموحة، بجانب ما يبدو من عناد وإصرار واضح على إنتاج حكم مبارك من جديد والابقاء على نفوذه، فتوفرت لهو السيطرة على مفاتيح العمل السياسى بما فيها المفاتيح الانتخابية؛ بين العصبيات الريفية والنعرات القبلية والطائفية، بما توفر لها من ثراء وسلاح وأتباع، وتبعا لذلك تم فُتح بورصة المواكب والحشد وأسعار الأصوات وتكاليف البلطجة مبكر، وبدأت صفقات شراء أصوات الأقنان والأتباع. ولم تبد بادرة حسن نية من قبل السلطات المعنية لإعادة توزيع الثروة الوطنية بشكل متوازن وعادل، ويبدو أن هناك حرصا سلبيا بالحفاظ على جيش الفقراء لضرب قوة العمل وإضعافها. وهذان العاملان وحدهما؛ الخلل فى ميزان القوى السياسى والاجتماعى وإعادة إنتاج حكم مبارك كفيلان بإفساد العملية الانتخابية وإخراج سلطة تشريعية قد تكون أسوأ من سابقتها.

عاشت ثورة ٢٥ يناير المجيدة .. والمجد والخلود للشهداء الأبرار، والتمنيات بالشفاء العاجل والسلامة للضحايا والمصابين الخاضعين للعلاج حاليا .

تاريخ العاشر من رمضان ١٤٣٢هـ

الموافق السابع من سبتمبر ٢٠١١ م

© www.almaglesalwatany.org